محمد سعيد رمضان البوطي

171

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

غير أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، عامله مع ذلك كله على أنه مسلم ، فلم يخفر ذمته ، ولم يعامله معاملة المشرك أو المرتد أو الكاذب في إسلامه ، وأجابه إلى ما أصرّ وألحّ في طلبه . وذلك يدل - كما أجمع العلماء - على أن المنافق إنما يعامل في الدنيا من قبل المسلمين على أنه مسلم ، يعامل كذلك ، وإن كان نفاقه مقطوعا به . وسبب ذلك أن الأحكام الإسلامية في مجموعها تتكون من جانبين : جانب يطبق في الدنيا ويكلف المسلمون بتطبيقه على مجتمعاتهم وفيما بينهم ، ويشرف على ذلك الخليفة أو رئيس الدولة ، وجانب آخر يطبق في الآخرة ويكون أمره عائدا إلى اللّه تعالى . فأما الجانب الأول ، فيقوم أمره على الأدلة القضائية المادية والمحسوسة بحيث لا يترتب شيء من نتائج الأحكام إلا بموجبها ، فليس للأدلة الوجدانية والقرائن الاستنتاجية أي أثر في هذا الجانب . وأما الجانب الثاني ، فيقوم على ما استقرّ في القلوب واستكنّ في الصدور ومردّ القضاء في ذلك إلى اللّه تعالى . ولبيان هذه القاعدة يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فيما رواه البخاري عن عمر رضي اللّه عنه : « إنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم » . ويقول فيما رواه الشيخان : « إنكم تختصمون إليّ ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع ، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه ، فلا يأخذ منه شيئا ، فإنما هو قطعة من النار » . والحكمة من مشروعية هذه القاعدة ، أن تظلّ العدالة بين الناس في مأمن من التلاعب بها والنيل منها إذ ربما اتّخذ بعض الحكام من حجية الأدلة الوجدانية والاستنتاجية وحدها ذريعة إلى الإضرار ببعض الناس بدون حق . وتطبيقا لهذه القاعدة الشرعية ، كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على الرغم من اطّلاعه على كثير من أحوال المنافقين وما تسرّه أفئدتهم ، بوحي من اللّه تعالى ، يعاملهم معاملة المسلمين دون أي تفريق في الأحكام الشرعية العامة . وهذا لا ينافي أن يكون المسلمون في حذر دائم من المنافقين ، وأن يكونوا في يقظة تامة أمام تصرفاتهم ، فذلك من الواجبات البدهية على المسلمين في كل ظرف ووقت . رابعا : ( ولاية غير المسلمين ) : وإذا تأملنا في النتيجة التشريعية لهذه الحادثة ، وهي الآيات القرآنية التي نزلت تعليقا عليها ، علمنا أنه لا يجوز لأي مسلم أن يتخذ من غير المسلم وليّا له ، أي صاحبا تشيع بينهما مسؤولية الولاية والتعاون . وهذا من الأحكام الإسلامية التي لم يقع الخلاف فيها بين المسلمين : إذ الآيات القرآنية الصريحة في هذا متكررة وكثيرة ، والأحاديث النبوية في تأكيد ذلك تبلغ مبلغ التواتر المعنوي . ولا مجال هنا لسرد هذه الأدلة فهي معروفة غير خفية على الباحث .